مجمع البحوث الاسلامية
634
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
على المعرفة والمحبّة والطّاعات ، فإنّه يفيد عمارة الدّنيا والآخرة ، فكانت هذه الحالة أكمل ، فهذا جملة الكلام في هذا الوجه . القول الثّاني في تفسير هذه الآية : ما ذكره القفّال ؛ وهو أنّه تعالى قال في أوّل السّورة : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ . فبيّن أنّه كما لا يجوز استحلال المحرّم كذلك لا يجوز تحريم المحلّل ، وكانت العرب تحرّم من الطّيّبات ما لم يحرّمه اللّه تعالى ، وهي البحيرة والسّائبة والوصيلة والحام ، وقد حكى اللّه تعالى ذلك في هذه السّورة [ المائدة ] وفي سورة الأنعام ، وكانوا يحلّلون الميتة والدّم وغيرهما ، فأمر اللّه تعالى أن لا يحرّموا ما أحلّ اللّه ولا يحلّلوا ما حرّمه اللّه تعالى حتّى يدخلوا تحت قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ المائدة : 1 . المسألة الثّانية : قوله : لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ يحتمل وجوها : أحدها : لا تعتقدوا تحريم ما أحلّ اللّه تعالى لكم . وثانيها : لا تظهروا باللّسان تحريم ما أحلّه اللّه لكم . وثالثها : لا تجتنبوا عنها اجتنابا شبيه الاجتناب من المحرّمات ، فهذه الوجوه الثّلاثة محمولة على الاعتقاد والقول والعمل . ورابعها : لا تحرّموا على غيركم بالفتوى . وخامسها : لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ . وسادسها : أن يخلط المغصوب بالمملوك خلطا لا يمكنه التّمييز ، وحينئذ يحرّم الكلّ ، فذلك الخلط سبب لتحريم ما كان حلالا له ، وكذلك القول فيما إذا خلط النّجس بالطّاهر . والآية محتملة لكلّ هذه الوجوه ، ولا يبعد حملها على الكلّ ، واللّه أعلم . ( 11 : 70 ) القرطبيّ : فيه خمس مسائل : الأولى : أسند الطّبريّ إلى ابن عبّاس أنّ الآية نزلت بسبب رجل أتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : يا رسول اللّه إنّي إذا أصبت من اللّحم انتشرت وأخذتني شهوتي ، فحرّمت اللّحم ؛ فأنزل اللّه هذه الآية . وقيل : إنّها نزلت بسبب جماعة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منهم أبو بكر وعليّ وابن مسعود وعبد اللّه ابن عمر وأبوذرّ الغفاريّ وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد ابن الأسود وسلمان الفارسيّ ومعقل بن مقرّن رضي اللّه عنهم ، اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون ، واتّفقوا على أن يصوموا النّهار ويقوموا اللّيل ولا يناموا على الفرش ، ولا يأكلوا اللّحم ولا الودك [ الدّسم ] ولا يقربوا النّساء والطّيب ، ويلبسوا المسوح ، ويرفضوا الدّنيا ، ويسيحوا في الأرض ، ويترهّبوا ، ويجبّوا المذاكير ؛ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . والأخبار بهذا المعنى كثيرة وإن لم يكن فيها ذكر النّزول . الثّانية : [ وذكر الرّوايات ] الثّالثة : قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم في هذه الآية وما شابهها والأحاديث الواردة في معناها ردّ على غلاة المتزهّدين ، وعلى أهل البطالة من المتصوّفين ؛ إذ كلّ فريق منهم قد عدل عن طريقه ، وحاد عن تحقيقه . قال الطّبريّ : لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم